أبي منصور الماتريدي

259

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

هذا يحتمل وجهين : أحدهما : يرجعون ؛ مخافة أن يعرفوا بالسرقة لما عسى يقع عندهم أن واحدا منا جعل هذا في متاعنا وأوعيتنا سرّا منهم ففعل يوسف هذا ؛ ليرجعوا ؛ مخافة أن يعرفوا بالسرقة « 1 » . والثاني : ما قاله أهل التأويل : لما تخوف يوسف ألا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى فجعل دراهمهم في أوعيتهم ؛ لكي يرجعوا إلينا ؛ فلا يحبسهم عنا عدم الدراهم « 2 » ؛ لأنهم كانوا أهل ماشية « 3 » . قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 63 إلى 68 ] فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 63 ) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 64 ) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ( 65 ) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ( 66 ) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 ) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 68 )

--> ( 1 ) ثبت في حاشية ب : هذا لا يحتمل مع قولهم لأبيهم : هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا كما لا يخفى ، والله أعلم . كاتبه . ( 2 ) وذكر في السبب الذي لأجله أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم وجوها : أولها : أنهم إذا فتحوا المتاع ، فوجدوا بضاعتهم فيه ، علموا أن ذلك كرم من يوسف ؛ فيبعثهم ذلك على العودة إليه . وثانيها : خاف ألا يكون عندهم غيره ؛ لأنه زمان قحط . وثالثها : رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه ، وإخوته - مع شدة حاجتهم إلى الطعام - لؤم . ورابعها : قال الفراء - رحمه الله - : إنهم متى شاهدوا بضاعتهم في رحالهم ، فيحسبوا أن ذلك وقع سهوا ، وهم أنبياء وأولاد أنبياء ؛ فيحملهم ذلك على رد البضاعة ؛ نفيا للغلط ، ولا يستحلون إمساكها . وخامسها : أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم منه عتب ولا منّة . وسادسها : قال الكلبي : تخوف ألا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى . وسابعها : أن مقصوده أن يعرفوا أنه لم يطلب أخاهم لأجل الإيذاء والظلم ، وإلا لطلب زيادة في الثمن . وثامنها : أن يعرف أباه أنه أكرمهم ، وطلبهم بعد الإكرام ؛ فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه . وتاسعها : أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدة الزمن ، وكان يخاف اللصوص من قطع الطريق ، فوضع الدراهم في رحالهم ؛ حتى تبقى مخفية إلى أن يصلوا إلى أبيهم . وعاشرها : أنه قابل مبالغتهم في الإساءة بمبالغة في الإحسان إليهم . ينظر : اللباب ( 11 / 144 ، 145 ) . ( 3 ) ذكره ابن جرير ( 7 / 244 ) ، وكذا البغوي ( 2 / 435 ) .